شمس

مقالات قصص وهواجس

إحداهن لزهراء موسى بين تجليات الواقعية وتهويمات الميتافيزيقية (قراءة نقدية)


عند وقوفنا إزاء نصوص مجموعة (إحداهن ) لزهراء موسى، تفاجئنا قدرتها الفنية كقاصة
على المزاوجة الشفيفة، بين عوالم سرد متناقضة، واقعية ، فلكلورية، ميتافيزيقية،في حين
تحتفظ للبقية من نصوصها بروح السرد الواقعي فقط .
فقصص كـ ( العقدة القبيحة ، ضلع أعوج ، إحداهن، العباءة ، أو كفتى أدرد ) تنتهج في رسم أنساقها السردية، نهجاً سينمائيًا، يعمل على تصوير، لوحات حياتية ، اجتماعية، تجافي تمامًا مواطن التخييل، والتهويم ، وكذا الشاعرية .

في حين أن قصص كـ ( انحدار،مسافة،لأني أبن لهذا الرجل ) تجيء مزيجًا متجانسًا من الواقعية ، والميتافيزيقية ، مشكلة بذلك أبرز ملمح فني، لتضاريس خارطة سرد هذه المجموعة ، فنص) لأني ابن لهذا الرجل )على سبيل المثال، تنجح القاصة فيه ، بتفجير عقدة صراع نفسي لدى البطل المهموم بأقدار خارجة عن إرادته،تمثلت بانتسابه لأبٍ لا يطيب له أبوته، يسهم من حيث يشاء، أو لا يشاء ، في توجيه مساره الحياتي، مصعدًا بذلك من وتيرة توتر الحدث السردي، وصولاً به لعالم الباطن، وألا وعي ألحلمي ، بحثًا عن خلاص عبر تقمص حيوات كائنات أخرى، عرفت بجمال مواطن مستخلصاتها الداخلية،وبالتالي  مستخرجاتها ،كل ذلك في قالب سردي، شائق، يتكئ على المعطى الديني (يخرج الحي من الميت )

معولاً عليه في نهاية القصة المشرعة.
وإن شارفت القاصة أيضًا،بقصة (أوكفتى أدرد) تخوم ذات المضمون ،المتأزم،  بين أب وأبنه ، إلا أنها رصدته من زاوية أخرى ،مختطتًا لها بذلك،  نسقًا سرديًا ،واقعيًا، يقوم على المفارقة ،ومباغتة المتلقي

 في نهاية القصة .

و إن كنا نلحظ أيضًا في ذات المجموعة ، تداخلاً لخطان، سرديان، فرعيان، آخران،  ينهض أولاهما على رابية خطاب الموروث الشعبي كما في ( الأميرة نرجس والقمر، لعبة القطة والقدح) الأشبه بحكايات ألف ليلة وليلة ، حيث الفضاء النصي رحب ، والحكمة هي زاد البطل وكنزه الحقيقي، والتشويق هو الطعم الذي يشد المتلقي للإبحار بين طيات الحدث السردي ، ويقوم ثانيهما ، على مقاربة حميمية للمجتمع الأحسائي قديمًا ، والتقاطع معه ، وتطعيم نصوص هذا اللون السردي بمفرداته ، وعباراته المتداولة ، كـشاهد على أبجديات لغة معاشة وقتذاك مثل ( قماشه الوردي صبغ بقشور الرمان ) كما كانت تفعل الجدات سابقًا في الأحساء ، وقولها أيضًا ( تريد طويله) و"الطويله" كما هو معروف العملة النقدية المستخدمة قديمًا في الأحساء ، وقولها أيضًا ( مده) وهو البساط المصنوع من أسلٍ ، المستخدم هو الآخر في فترة سابقة في الأحساء أيضًا ، وقولها كذلك ( نخج ) في كل من قصصها ( ملح خواته ، رضية ، أم حسين اللتغة ) التي تبدو أشبه "بسوالف" الأجداد و الجدات حيث رائحة الماضي تعبق من بين ردهات أسطر السرد .

ورغم أن فن القصة القصيرة هو الشكل الأدبي الذي يجمع بين طياته كلاً من خصائص الشعر والدراما معًا إلا أننا نجد أن معظم قصص المجموعة تنزح نزوحًا كليًا عن الشاعرية ، سوى بعض ما نستشعره من الغنائية التي تلون خيوط سرد قصتيها  ) مسافة، عندما كنت جنينًا ) مما يؤكد على أن الشاعرية ليست متأصلة في لغة الكاتبة المتسمة ،بالعفوية ،السلاسة ، القدرة على التوصيل، بل هي أقرب ما تكون للتوظيف عند حاجة المحتوى السردي إليها فقط.

وقد اهتمت الكاتبة بتحديد الحيز النفسي لشخوصها، كما نلحظ ذلك عند رسمها لدائرة مشاعر الحنين المتولدة فطريًا نحو الآخر،وطرح إشكالية من منهما أصل في وجود الآخر، عبر سردها للحكاية الأسطورية ) عندما كنتُ جنينًا) ، واحتفائها فيها بخلق الأنثى، من خلال افتراض تخلقها من رحم رمزي، غاية في اللطف والرقة والجمال ممثلاً بالوردة ، لتنطلق منه إلى الحياة ولتغدو بعدها مركز استقطاب لكل كائنات الطبيعة من طير ونحل .

كما نلحظ أيضًا اهتمامها بالمخرجات النفسية لبعض شخوص قصصها ، كما في قصة (العقدة القبيحة )

 التي اتخذتها مدخلاً لعالم مجموعتها القصصية، و لجأت فيها للالتفاف عبر الحدث الرئيس لتنبت بذلك همًا وجوديًا لدى بطل القصة الصغير ، ولتفتق عبره رغبة خلاص ، ليس من عقد ظاهر تطفو على السطح

 بل من عقد قبح تتوارى مستترة لتندس أسفل الأشياء ، أو تختبئ تحت طيات الملابس ، في رغبة ضمنية ملحة لدى البطل في محو كل العيوب المخفاة ، وإن ظلت رغبته تلك حبيسة إطار عجز أقدار حياتية

لا سبيل له للخلاص منها سوى بتجرد حقيقي ،عبر تحليق للروح من نافذة الموت، نافذة الخلاص من كل عقد القبح و صنوف العجز والأمراض .

كما أن الرجل في قصص المجموعة ( إحداهن، هل أصفح، خيارها الوحيد ) وفي مسرحيتها الوحيدة أيضًا (شهدْ وبرَد ) يمثل الوجه الآخر للخيبة لدى الأنثى، وإن كانت القصة الأخيرة من الناحية الفنية هي الأنضج والأكمل .

وللحيز المكاني المتفاوت سعة وضيقًا ( غرفة ، بيت ، جبل ، بحيرة ، بحر، غابة ) دوره الرئيس في تنامي الحدث السردي للمجموعة كما في أطول قصصها (مجنون الجبل ) ذات الملمح الفني، ذو النفس الروائي  من حيث اللغة الحوارية ، الزمن الطويل ، تعدد الشخوص ،تعدد مسارح الحدث (البيت ، المدرسة ، السيارة ، الجبل ) والتي تهيمن على أجوائها نزعة صوفية، فلسفية، لمحاولة انعتاق، وتطهر ،وصولاً للحبيب عبر انفكاك كلي من أسر العقل، للفوز بسعادة الماوراء .



<<الصفحة الرئيسية