شمس

مقالات قصص وهواجس

السينما في بلادنا ..

 
 

للثقافة والفنون منابرها العديدة التي تزخر بها ساحة الحياة الرحيبة، والعين المتأملة لا تخطئ تلك العلاقة الطردية الوثيقة بين ازدهار وترعرع ونهضة أمة ما، ووفرة منابرها الثقافية ،فبنظرة فاحصة بسيطة نخلص لنتيجة تفضي إلى أن ازدياد حصة شعب ما من هذه المنابر في مناخ ثقافي صحي ذو استفادة مثلى من الطاقات المادية و البشرية ، تتعاظم معه فرص توظيف وتفعيل المكتسبات الثقافية والتراثية والروحية والتربوية والتعليمية، وكذا الاقتصادية والسياسية لأن الثقافة رصيد إنساني ضخم وقوة ذات قدرة وقابلية للتحول والتجلي في كل دقائق و مظاهر الحياة المدنية كذلك بالإمكان تطويعها كقوة تأثيرية على الآخرين،إن بشكل إيجابي
أو سلبي .
وتجيء السينما كأبرز هذه المنابر ذات الخطاب الجماهيري الوجداني المكثف ، والتأثير الفاعل ،و التي إنما نشهد تزايد اهتمام العالم المتحضر بتطوير آلياتها لما لمسه من استفادة قصوى منها ،لنبدو نحن في الطرف الآخر على النقيض من ذلك تماماً في تجاهلنا إياها بشكل ملفت يدعو للدهشة !؟
فأين هي السينما في بلادنا كدور عرض لبث إشعاع الثقافة الراقية والفنون الهادفة ،و السينما كحاضنة لصناعة إعلامية ثقافية تنويرية ،تسعى للتطوير والتثقيف والإصلاح، والأمر برمته لا يحتاج لكثير من إعمال الذهن ، فبمجرد تفكير نمطي سنقبض على المسبب الرئيس لهكذا إحجام ورفض غذته نظرة ضيقة مغلوطة ترسبت تجاه هذه القناة الثقافية الإعلامية الحية ،نتيجة تراكم معطيات التوظيف السلبي لهذا المعبر الثقافي الحيوي ، عندما حصر دوره البعض في زاوية ضيقة بتقديم المادة الإعلامية الهابطة عبره، فكرس بذلك مفهوماً سلبياً مرفوضاً في أذهاننا كشعب محافظ درج على ضرورة الحفاظ على القيم والخشية على المكتسبات الدينية والأخلاقية من اجتياح سموم رياح هكذا وسائل إعلامية ،لا تبرز أهميتها سوى بإحسان توظيفها كقناة ناقلة للثقافة الراقية الناهضة ، لكننا للأسف عبر نظرتنا الضيقة تلك ألقينا بلائمة سوء التوظيف على الوسيلة دون الموظفين لها ،و أوصدنا دونها الأبواب ورءوس الأموال التي هي المحرك الرئيس لهكذا صناعة غيبها فهمنا القاصر،واستفادت منها دول في خدمة مخططاتها ، ونشر وتكريس قيمها و ثقافاتها لأنها وعت مقدار فاعليتها التأثيرية على الوجدان الفردي والجمعي للشعوب .

لذا عندما نقف الآن على جادة التساؤل ، للناشد أنفسنا ،هل لا يزل إعراضنا هذا في محله ونحن لابد ندرك تلك الحقيقة الغاية في البساطة ،وهي أن لكل وسيلة من وسائل الإعلام وجهيها المعتم والمشرق معاً،و السينما ليست بدعاً في ذلك ،فهل يبقى إسقاطنا لها وجيهاً والعالم إنما يشهد ديناميكية سينمائية فاعلة قطع فيها البعض أشواطاً عدة بعدما جندت لها الطاقات ،ورءوس الأموال، وآخر المكتشفات التقنية والتكنولوجية المتطورة كما نرى في أستديوهات هوليود ،بعدما خطّت السينما في حركتها المتصاعدة تاريخها الحافل بدءاً بأفلامها الصامتة مع بدايات القرن العشرين مروراً بوصولها إلينا عبر دولة عربية شقيقة كمصر منذ ما يقرب القرن من الزمن والآن نشهد تألقها عبر السينما الإيرانية التي تلفت العالم بوصولها لمعادلة الجمع بين الرقي والعالمية
لنخلص للنتيجة القائلة، أن ليس ثمة تعارض حقيقي بين حفاظنا على إرثنا الأخلاقي وقيمنا الإسلامية وبين استفادتنا من منبر إعلامي ضخم مسقط من أجندتنا الإعلامية كالسينما التي يشاع عنها أنها فن رؤية الحياة بالفوتوغرافيا،أي أنها مرآة تتزايد قيمتها بازدياد مصداقية ما تعكس ،لأن أنجح الأفلام هو ما عبر عن حقيقة هوية صانعيه واستمد رحيقه من تاريخ الأمة المنتجة له ليمثلها خير تمثيل ويكشف عن أصالتها وعاداتها وتراثها وتاريخها الإنساني .

ومع ذلك نحن لا ننكر أننا نشهد منذ وقت قريب محاولات خجولة لا ينقص بعضها اللفتات الفنية والتوظيفية المعبرة رغم جهودها الذاتية كـ(رب ارجعون)، (ساعة الرحيل ) التي اشتغلت على جانب الوعظ ، وأخيراً الفيلم الذي لم يحظَ بقبول الجماهير رغم أنه عد الفيلم السعودي الأول ( كيف الحال) الذي لم يوصف أنه سعودياً بحق !؟ .

أخيراً علينا أن نلتفت لنقطة أخرى هامة ربما أغفلها البعض وهو أن وصد الأبواب دون افتتاح دور للسينما في بلادنا مثلاً ليس حلاً أمثل وأجدى للحفاظ على قيمنا ،لأنه ما عاد مستعصياً بالفعل أن يتسلل الكثيرون لواذاً وخاصة فئة الشباب الشغوفة بالسينما للدول المجاورة لمشاهدة الغث والسمين ، لأنهم فاقدين لحس التقييم الذي أنما ينبته وينميه وعي نقدي مبكر بقيمة المادة المتلقاة ، لأنهم حرموا في بلادهم من دور عرض راقية وهادفة تأصل لديهم روح التمييز و تصب في الصالح الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي والتعليمي للبلاد ،إذن فالأجدى بنا أن نحسن الاستفادة من هكذا قناة إعلامية وننشئ في سبيلها المعاهد لتخريج كوادر فنية تقوم عليها خير قيام حتى لا تتكرر فضيحة إعلامنا ، كما حدث مع فيلم (كيف الحال) ،وحتى لا نبقى دائماً مستهلكين حتى لثقافة الآخرين.
http://www.daralhayat.com/arab_news/...f0f/story.html
 


أضف تعليقا

stars111 من المملكة العربية السعودية
21 مارس, 2007 07:37 م
مرحبا اتفق معكي في كل كلمة سطرتيها في موضوعك الشيق وجعلني فعلا اتسائل لماذا هذا التجاهل الكلي لفرع من فروع الثقافة والاعلام مع الاسف ليس هناك من يهتم بهذا ليس فقط من المحسوبين على الفن بل أيضا من المجتمع يرونها متدنية ويجب الابتعاد عنها على العموم لم تتركي مجال إلا وأتيت عليه من كافة جوانبه أشكرك على هذا الموضوع ولكي التحية والتقدير
shamsali من المملكة العربية السعودية
26 مارس, 2007 02:39 م
نجوم...

أن تنثرين تفاح الحروف في حقلي وتتأملين ..ذلك يجعلني أبتهج .

دمتِ في ضياء .